السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
59
أصول الفلسفة
ما هي الفلسفة وما حدّها ؟ إنّ الانسان بما له من الرقيّ الفكري إذا أطلّ بنظره إلى الكون ربّما يتصوّر الشيء موجوداً ( وليس بموجود ) وأحياناً يتخيّله معدوماً غير موجود ويكون في نفس الأمر من الواقعيات الخارجية ، فما زال الإنسان يسير في هذا السير صائباً في زمان ، خاطئاً في آخر . وهذا الاختلال يوجب علينا أن نميّز الواقعيّات العينيّة عن الوهميّات « 1 » التي ليست بهذه المثابة حتى تمتاز الحقائق التي هي الواقعيّات
--> ( 1 ) . سوف يوافيك أنّ الفلسفة تقابل السفسطة ، والفيلسوف يقابل السوفسطائي فمن أثبت أنّ وراء عالم التصوّر ، واقعية عينيّة فهو فيلسوف ، ومن أنكره فهو سوفسطائي . والفلاسفة قسموا المفاهيم الذهنية إلى أقسام : 1 - « الحقائق » وهي المفاهيم التي لها مصاديق في خارج الذهن مثل الانسان والفرسو . . . 2 - « الاعتباريات » وهي ما ليس لها مصاديق في نفس الأمر ، غير أنّ القوى الانسانية المدركة ربّما تتخيل ما ليس موجود ، موجوداً لأجل أغراض فردية أو اجتماعية ، فالفوج الواحد من العسكر يتألّف من الأفراد والآحاد ، فللفرد حكم وللفوج حكم آخر ، والأوّل جزء والثاني كلّ في اعتبارنا ، وإدراك الفرد إدراك أمر حقيقي إذ له مصداق في الخارج ، وإدراك الفوج إدراك أمر غير حقيقي بل اعتباري إذ ليس للفوج مصداق حقيقي وراء وجود كل فرد فرد . 3 - « الوهميّات » وهي ما ليس لها مصاديق حقيقية ولا اعتبارية صحيحة كالغول وأنيابه والحظ والصدفة . وسوف تقف على أنّ للفلسفة الإسلامية عناية خاصة لتمييز الحقائق عن قسيميها وقد وضعوا لذاك التشخيص دوائر وموازين . وقد شاركهم في ذلك ثلّة جليلة من فلاسفة الغرب وحاولوا أن يساهموا مع فلاسفة الإسلام في هذا الباب ، إلّا أنّ المساهمة لم تكن ناجحة ووقعوا في لُبس واشتباه . فترى بعضهم يسلك مسلك السفسطة ( 1 ) حيث يرى المفاهيم عامّة من مصنوعات الذهن ، وآخر منهم يسلك مسلك الشكّاكين ( 2 ) لا يدري ماذا يقول ، يشك في وجوده وذهنه وعامّة ما يقوله ، وستعرف حقيقة الحال في هذه المقامات في المقالة الخامسة . - emsisitpeS - 2 emsilaedl - 1